الشيخ محمد النهاوندي
598
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للسؤال والحساب ، وإنّما عبّر سبحانه عن الفزع والإتيان بصيغة الماضي للدلالة على تحقّق وقوعهما ، وقد مرّ كيفية بيان الصّور ، والنّفخ فيه ، وعدد النّفخ ، والفصل بين النفختين « 1 » . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 88 ] وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ( 88 ) ثمّ ذكر سبحانه من أهوال القيامة حال الجبال بقوله : وَتَرَى أيّها الرائي الْجِبالَ يومئذ حال كونك تَحْسَبُها وتتوهّمها جامِدَةً وساكنة في أماكنها وَهِيَ في ذلك الوقت تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ وتسير كسيره في السرعة ، فانّ الجسم العظيم إذا تحرّك حركة سريعة على نهج واحد في السّمت والكيفية ، ظنّ الناظر أنّه واقف ، مع أنّه متحرّك في غاية السرعة ، وكذا الشيء العظيم الذي لا يحيط بأطرافه البصر ، إذا سار لا يحسّ الناظر سيره ، ويتوهمه واقفا ، وذلك يكون عند النفخة الثانية حين تبدّل الأرض غير الأرض ، وتغيّر هيئتها ، وتسيّر « 2 » الجبال عن مقارّها . وعن بعض العامة ، عن الصادق عليه السّلام - في تأويل الآية - قال : « وترى الأنفس جامدة عند خروج الرّوح ، والروح تسير « 3 » في القدس لتأوي إلى مكانها تحت العرش » « 4 » . ثمّ نبّه سبحانه على عظم شأن تلك الأفعال ، وتهويل أمرها ، وكونها من بدائع صنعه المبنية على الحكمة البالغة المستتبعة للغايات الجميلة التي رتّبت لأجلها مقدّمات الخلق ومبادي الإبداع على الوجه المتقن المستحكم بقوله : صُنْعَ اللَّهِ وفعله الجيّد غايته الَّذِي أَتْقَنَ وأحكم كُلَّ شَيْءٍ خلقه ، وسوّاه على ما ينبغي ، ثم علّل النفخ والبعث وسائر أهوال القيامة بقوله : إِنَّهُ تعالى خَبِيرٌ وعالم بِما تَفْعَلُونَ من الطاعة والعصيان ، فيجازيكم عليه بما تستحقّون . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 89 إلى 90 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 90 ) ثمّ بيّن حال المطيعين والعاصين في ذلك اليوم بقوله : مَنْ جاءَ في ذلك اليوم بِالْحَسَنَةِ والأمور الحميدة من العقائد الصحيحة والطاعات الخالصة فَلَهُ من الثواب ما هو خَيْرٌ وأفضل مِنْها فانّ تجلّياته تعالى في الجنّة أفضل من معرفته له تعالى في الدنيا ، ونعمه الأبدية خير من
--> ( 1 ) . تقدم ذكر الصّور في الأنعام / 73 والكهف / 99 وطه / 102 والمؤمنون / 23 . ( 2 ) . في النسخة : وسير . ( 3 ) . في تفسير روح البيان : تسري . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 376 .